على الرغم من الحصار والاحتلال... بلدة الخليل القديمة تبتهج برمضان تحت ضوء الهلال....

 على غير العادة خلت شوارع وزقاق وحارات ومداخل بلدة الخليل القديمة من الأضواء والأنوار وحبال الزينة والفوانيس الرمضانية التي اعتادت عليها في استقبال شهر رمضان المبارك، وبدت كئيبة حزينة رغم الحركة الهادئة للمصلين والمتسوقين الذين كسروا حاجز السكون والهدوء التي امتازت به منذ عدة سنوات؛ بسبب التمدد الاستيطاني في قلبها و ممارسات المستوطنين وجنود الاحتلال وما صحب ذلك من تسيير دورياته الراجلة التي تعكر وتنغص على الصائمين قضاء يوم رمضاني مميز ، حيث لعادات وتقاليد الشهر الفضيل في البلدة القديمة رونقا خاصا اعتاد أبناؤها إتباعها لتضفي عليهم عبقا وسحرا ، يشتّم من جدرانها تاريخ المدينة وعراقتها وهويتها الفلسطينية العربية.


حينما تقودنا المتعة  للتجول والتسوق في البلدة القديمة ، نبدأ بها من ساحة باب البلدية القديم، متوقفين لوهلة متأملين في هذا الحي الذي كان الناس يتزاحمون فيه مثل خلية النحل حتى يحصلوا على حاجاتهم خلال شهر رمضان الفضيل … أما اليوم فإنك تشاهد شوارع تكاد تخلو و المحلات مهددة بالإغلاق إما بأمر عسكري من الاحتلال الإسرائيلي أو لقلة الرزق الذي يكتسبه أصحاب المحلات هناك، فتلك سياسة لئيمة لا زال يتبعها الاحتلال الصهيوني لقطع الأرزاق في المدينة، المدينة التي تعيش بلدتها القديمة تحت وطأة دمار شامل حل بالممتلكات والمحلات والمنازل الفلسطينية فيها.

 وعلى امتداد أسواق البلدة القديمة رغم إغلاق العديد من محالها التجارية سواء قصرا أو بإرادة أصحابها الذين تركوها و بحثوا عن تجارتهم خارجها، تزخر بالكثير من المأكولات والمشروبات والصناعات التقليدية المتوارثة، ابتداء من مدخلها سوق القصبة من ناحية ساحة البلدية مرورا بالقزازين وخزق الفار حتى الحرم الإبراهيمي الشريف، وغيرها من الأسواق العتيقة التي يجهل البعض أماكنها وأسمائها و لم تعد كما كانت كسوق الحصريه اللحامين وسوق الزياتين وسوق الغزل وسوق الخواجات وسوق اللبن وسوق الإسكافية وسوق العطارين وسوق البازار، يشتم المتسوقون روائح اللبن الجميد والألبان الأخرى والمخللات و الحلاوة الطحينية و السيرج والكسبة، وتزيغ عيونهم إلى الصناعات التقليدية المعلقة كجلود الأغنام والماعز والإكسسوارات المعتقة التي تتناسب وحضارة بلدة ضاربة جذورها بعمق التاريخ. ويخشى تجار البلدة القديمة، كما كل عام بمجرد انتهاء الشهر الفضيل، أن تعود البلدة إلى ما كانت عليه قبل حلول الشهر الكريم، مشيرين أن سكان الخليل يعتقدون أن الثواب والأجر لا يمكن الحصول عليهما إلا عند زيارة البلدة القديمة والحرم الشريف في شهر رمضان.

 

وعلى غرار كرم أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام توارث أهل الخليل القيام على تكية سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام...اذ يرتفع عدد المستفيدين من التكية في كل عام أكثر من ذي قبل، وتتوافد الفئات المجتمعية المختلفة يوميا لتأخذ دورها في الطابور، الذي يضم الأطفال والنساء والرجال ، وموظفين اضطرهم الحال لحمل أوعيتهم والانتظار في الطابور أملا في الحصول على وجبة تسد رمق الأسرة لليلة ، هروباً من الغلاء الفاحش الذي أصاب المواد التموينية الأساسية ، في ظل ارتفاع نسبة البطالة والفقر ، وشح السيولة النقدية في الأسواق ، التي دفعت بالمئات من أرباب الأسر لخلع رداء الحياء والخجل ، لإسكات بطون وأفواه الأطفال ، أمام شدة العوز التي يعانون منها.

وفي اللقاء الذي أجرته لجنة اعمار الخليل مع السيد "عمار الخطيب"/ المسئول العام في التكية، أشار إلى تزايد الناس الكبير في شهر رمضان لحصولهم على الوجبات الغذائية التي تقدمها التكية، وأضاف انه تم جمع المساعدات من أهل الخير لتكفي طيلة أيام الشهر الفضيل، وقدم لهم الشكر والعرفان لهذه المكرمة التي ساهمت بشكل كبير في رفع أعداد الوجبات المقدمة للمحتاجين.

أما الحرم الإبراهيمي الشريف، فسلطات الاحتلال تقوم بفتح ساحاته جميعها لاستقبال المصلّين أيام الجمع في شهر رمضان، و في حالات الإغلاق فإنه ينطبق على الحرم ما ينطبق على البلدة القديمة يغلق بإغلاقها و يمنع رفع الأذان فيه أحياناً، و في أحيان أخرى يسمحون بذلك و أحياناً يخرجون بقرار عسكري بعدم رفع الأذان لأنه يزعج المستوطنين حسب ادعائهم.

  ووضع الاحتلال على أبواب الحرم بوابات حديدية والكترونية والعديد من الحواجز ، الامر الذي يعيق الذهاب  والإياب إلى الصلاة، وأصبح المصلي يخضع للتفتيش والاعتداءات عليه صباح ومساء حتى لا يعود مرة أخرى إلى المسجد، وعندها ويصبح فارغا من المصلين والرواد وبذلك يفرح المستوطنين ويحولونه إلى كنيس يهودي.